مصطفى صادق الرافعي

138

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الموعظة وتثبيت الحجة ونحوها ، أو في بعض عباراته لتحقيق النعمة وترديد المنّة والتذكير بالنعم واقتضاء شكره ، إلى ما يكون هذا الباب ؛ وهو مذهب للعرب معروف ، ولكنهم لا يذهبون إليه إلا في ضروب من خطابهم : للتهويل والتوكيد ، والتخويف والتفجع وما يجري مجراها من الأمور العظيمة ؛ وكل ذلك مأثور عنهم منصوص عليه في كثير من كتب الأدب والبلاغة . بيد أن وروده في القرآن مما حقق للعرب عجزهم بالفطرة عن معارضته وأنهم يخلّون عنه « 1 » لقوة غريبة فيه لم يكونوا يعرفونها إلا توهما ، ولضعف غريب في أنفسهم لم يعرفوه إلا بهذه القوة ، لأن المعنى الواحد يتردد في أسلوبه بصورتين أو صور كل منها غير الأخرى وجها أو عبارة ، وهم على ذلك عاجزون عن الصورة الواحدة ، ومستمرون على العجز لا يطيقون ولا ينطقون . فهذا لعمرك أبلغ في الإعجاز وأشد عليهم في التحدي ؛ إذ هو دليل على مجاوزتهم مقدار العجز النفسي الذي قد تمكن معه الاستطاعة أو تتهيأ المعاريض حينا بعد حين ، إلى العجز الفطري الذي لا يتأول فيه المتأول ولا يتعذر منه المعتذرون ولا يجري الأمر فهي على المسامحة . وقد خفي هذا المعنى ( التكرار ) على بعض الملحدة وأشباههم ومن لا نفاذ لهم في أسرار العربية ومقاصد الخطاب والتأتي بالسياسة البيانية إلى هذه المقاصد ، فزعموا به المزاعم السخيفة وأحالوه إلى النقص والوهن ، وقالوا إن هذا التكرار ضعف وضيق من قوة وسعة ، وهو - أخزاهم اللّه - كان أروع وأبلغ وأسرى عن الفصحاء من أهل اللغة والمتصرفين فيها ، ولو أعجزهم أن يجيئوا بمثله ما أعجزهم أن يعيبوه لو كان عيبا ! . وفي بعض ذلك التكرار معنى آخر فطن إليه بعض علمائنا ولم يكشف لهم عن سره ، وأول من نبّه عليه الجاحظ في كتاب ( الحيوان ) إذ قال « 2 » : « ورأينا اللّه تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب ، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف ، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام » أي كأن ذلك مبالغة في إفهامهم وتوسع في تصوير المعاني لهم وتلوينها بالألفاظ ، إيجازا في موضع وإطنابا في موضع إذ كانوا قوما لا سليقة لهم كالعرب وليسوا في حكمهم من البيان ، فلا يمضي كلامه لسننه بلا اعتراض من تنافر التركيب وثقل الحروف وجفاء الطبيعة اللغوية ، فلهذا ونحوه كان لا بد في خطابهم من التكرار والبسط والشرح ، بخلاف

--> ( 1 ) يتركونه بلا معارضة ، والتخلية : التبرك . ( 2 ) نقل العسكري هذه العبارة في كتاب ( الصناعتين ) ولم يعزها ، فكأنه هو استخرج هذا المعنى ابتداء ، وكم من مثلها في كتابه . انظر ص 46 ج - 1 من ( الحيوان ) فلا تشك أن العسكري نقل عن الجاحظ .